يشهد سوق الذهب منذ أيام حالة من الارتباك في أعقاب قيام الصين في مايو الماضي وحده باستيراد بل سحب حوالي 163 طناً خلال مايو، وهو أعلى مستوى منذ مارس 2024، ليصل بذلك الواردات خلال الأشهر الخمسة الأولى من عام 2026 لحوالي 692 طناً، بزيادة 76% عن نفس الفترة من 2024.
المؤشرات جد خطيرة على المتعاملين في أسواق بورصات الذهب، فالواقع يؤكد أن المستثمرين قصيري الأجل (المضاربون) هم الخاسر الأكبر في سوق الذهب العالمي حالياً، خاصة مع تعرض المعدن لموجات هبوط حادة فقد بسببها 20% من ذروة أسعاره المسجلة مطلع 2026.
وأدرك بنك الشعب الصيني الخطر مبكراً، ونجح سريعا في جمع كميات كبيرة من الذهب، لتعزيز احتياطاته من المعدن الأصفر من أبريل الماضي، في خطوة تعكس استمرار توجه بكين نحو زيادة الأصول الاستراتيجية وتعزيز التنويع بعيدًا عن الاعتماد المفرط على الدولار الأمريكي، وقد بلغت احتياطيات الذهب نحو 74.64 مليون أوقية، بما يعادل تقريبًا 2,321.56 طنًا، في نهاية أبريل بزيادة قدرها 260 ألف أوقية، أو نحو 8.09 أطنان، مقارنة بالشهر السابق.
وكانت احتياطيات الذهب الصينية قد سجلت بنهاية مارس نحو 74.38 مليون أوقية، بما يعادل حوالي 2,313.48 طنًا، ما يعني أن الصين واصلت زيادة حيازاتها الذهبية للشهر الـ18 على التوالي، في واحدة من أطول موجات الشراء المستمرة التي يقودها بنك مركزي عالمي خلال السنوات الأخيرة.
ومن الواضح أن الطلب الصيني على السبائك الذهبية المادية، إلى جانب المنتجات الاستثمارية جاء مرتبطاً بخطط الادخار والتراكم في الذهب، وهذا يعتبر من أبرز العوامل التي دعمت ارتفاع الواردات.
ووفق الأسعار الجارية فقد أظهرت بيانات بنك الشعب الصيني أن القيمة الإجمالية لاحتياطيات الذهب ارتفعت إلى نحو 344.17 مليار دولار أمريكي بنهاية أبريل، مقارنة مع 342.76 مليار دولار المسجل بنهاية مارس، وبسبب زيادة الكميات المضافة إلى الاحتياطي، إلى جانب استمرار أسعار الذهب قرب مستويات تاريخية مرتفعة في الأسواق العالمية.
والمقلق في مقابل ذلك أن صناديق الاستثمار المدعومة بالسبائك تواصل تكبدها خسائر بسبب تخارج رؤوس الأموال، فيما أن الخاسرين الحاليين في السوق، بينهم مضاربون وأفراد، حيث تشير البيانات إلى أن الأفراد والمستثمرين الذين اشتروا الذهب بأسعار مرتفعة جداً في وقت سابق من العام الحالي خسروا كثيرا وقد أدى التراجع الشهري الأخير إلى تسييل مراكزهم بخسائر فادحة.
ومن بين الخاسرين صناديق الاستثمار المتداولة والتي شهدت تراجعاً في حجم حيازاتها بسبب موجات بيع قياسية من قبل المستثمرين الأجانب والمؤسسات، إلى ما منيت به الدول والاقتصادات ذات العملات الضعيفة بخسائر، خاصة تلك التي تعتمد عملاتها المحلية على الاستيراد خسائر اقتصادية كبرى نتيجة ارتفاع أسعار الذهب الفورية المسجلة فوق حاجز الأربعة آلاف دولار للأونصة.
وأفادت تقارير دولية أن الوقت الراهن تتعرض فيه المحافظ الاستثمارية لصغار المتعاملين لخسائر فادحة مع تراجع أسعار الذهب بسبب عمليات البيع الاضطراري لتوفير السيولة عند هبوط البورصة، بالتوازي مع موجات الشراء العالية من البنوك المركزية، خاصة من السوق، والتي تسعى جميعها تحويل أوراقها المالية المقومة بالمعدن الأصفر إلى ذهب فعلي.
ومن متغيرات السوق وجود العديد من الأسباب والآليات الرئيسية التي تؤدي إلى هذه خسائر، منها البيع تحت ضغط الذعر، حيث يضطر صغار المستثمرين للتخلص من حيازاتهم الذهبية بأسعار متدنية لتغطية خسائرهم أو التزاماتهم في أسواق الأسهم.
وتؤكد تقارير مثل InvestingPro أن الذعر دفع المبتدئين لتسييل الأصول بخسارة، مع ارتفاع الدولار وتغير دوافع الاستثمار المؤسسي تجاه المعادن النفيسة في أوقات التوتر المالي.
وفي ظل المكاسب الصينية دون غيرها، كانت الخسائر الأكبر للمستثمرين الذين دخلوا السوق في فترات الذروة والمؤسسات التي قلصت حيازاتها مبكراً، وذلك بعد أن شهدت الأسعار تراجعات ملحوظة وصلت إلى نحو 20% هبوطاً من قممها القياسية لتعود وتستقر قرب مستويات تتراوح بين 4,000 إلى 4,089 دولار للأونصة.
ومن بين الأطراف المتضررة من حركة السوق الحالية، يأتي الأفراد وصناديق الاستثمار التي اشترت المعدن النفيس بأسعار مرتفعة (عند القمم التاريخية) بهدف تحقيق أرباح سريعة، حيث تعرضوا لخسائر دفترية أو محققة مع موجات التصحيح وعمليات البيع المكثفة.
ومن المتضررين أيضا بعض البنوك التي تسرعت وباعت أجزاء من احتياطياتها في وقت سابق لجني الأرباح وجدت نفسها خارج موجات الشراء القياسية التي أعادت البنوك الأخرى رسم خريطة الذهب بناءً عليها، والصناديق التي شهدت تسييلاً وخروجاً لتدفقات الأموال منها نتيجة تفضيل المستثمرين لأصول أخرى أو عمليات جني الأرباح السريعة.
والجانب الأخطر، هو ما يحاصر حاملي صكوك أو سندات الذهب والأوراق المالية للذهب في البورصات الدولية، والذين في انتظار تحويل ما يملكونه من أوراق مالية إلى ذهب مادي، فيما لا يوجد ما يغطي طلباتهم، بعدما نجحت الصين في سحب الكميات الأكبر، إلى جانب قيام بعض البنوك المركزي العالمية الأخرى بسحب كميات أخرى، وإن كانت أقل، فيما يقف المستثمرون الصغار في طابور انتظاراً لاستلام مشترياتهم، حتى بأقل ثمن؟.
ويطرح السؤال نفسه، هل سيفقد المستثمرون في صناديق الاستثمار بالذهب الثقة في سوق المعدن الصفر، في ظل واقع وشبح الخسائر اليومي، أم هي فترة مؤقتة؟، الإجابة صعبة، ولكن من الأفضل هو الشراء والاستثمار المادي المباشر في الذهب في تلك المرحلة، لكل أنواع وفئات المستثمرين.
------------------------------------
بقلم: محمود الحضري






